السيد محمد الصدر

362

منة المنان في الدفاع عن القرآن

فالروح لا تفكّر إلّا عن طريق المخّ ، والروح لا ترى إلّا عن طريق العين ، ولا تسمع إلّا عن طريق الأُذن ، وهكذا الحال في كلّ الأفعال . فالفاعل الحقيقي إذن هو المعنى الذي نُعبّر عنه بأنا وأنت وهو ، وليس الجسد بما هو هو ؛ إذ من دون الروح لا ثواب ولا عقاب ؛ لغياب الفاعل عندئذٍ . فمقتضى الابتلاء الإلهي ربط الروح بالجسد ، أي : ربطني أنا الكيان المعنوي بجسدي ، وإلَّا فالجسد لا اعتبار له . ودخول الجنّة بهذا الجسد ما هو إلّا مجرّد مطيّة لأجل الشعور بالثواب والراحة والسعادة عن طريقه ، ودخوله النار - أي : الجسد - لأجل نفس الاعتبار ، وهو شعور الروح أو شعور الأنا أو شعور زيد وهو في الحقيقة كيانه المعنوي وهو الفاعل حقيقة ، ولذا كان شعوره بالألم عن طريق الجسد ، وإلَّا فإنَّ الجسد يحترق كما لو ألقينا حجارةً في النار أو ألقينا حجارة في الجنّة مثلًا ، ومعه فلا قيمة للجسد من دون الروح أو الكيان المعنوي . وحينئذٍ تسقط شبهة الآكل والمأكول بكلا شكليها وقسميها ؛ لأنَّنا نتكلّم عن الشبهة الثانية ، وهي بمَ يختصّ ويتعلّق الثواب والعقاب ؟ هل بالجسد الذي تحلّل أو بالسنّ الذي سقط أو بالقرنيّة التي تبدّلت أو بالقلب الذي تبدّل أم بالجسم الذي مات فيه ؟ وقد يمكن الإشارة إلى طريقين - حسب الأُطروحتين السابقتين - يسلكهما الله عزّ وجلّ في هذا المضمار : الأوّل : ما ذهب اليه مشهور المتكلّمين « 1 » من أنَّه تعالى يحفظ جزءً أساسيّاً من الإنسان ، ثُمَّ يضيف إليه الباقي ، والباقي مادّة أيضاً ، وليس فاعلًا ، وإنَّما يكون طريقاً للثواب والعقاب . الثاني : أن لا يحفظ جزء منه ، وإنَّما يخلق جسداً مادّيّاً كاملًا ويدخل فيه

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 77 .